الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

240

انوار الأصول

توضيح ذلك : أنّ الإنسان يكون بفطرته وذاته طالباً للمنفعة ودافعاً للضرر ، أي من غرائزه الفطريّة الجبلية غريزة طلب المنفعة ودفع الضرر ، وبمقتضى هذه الغريزة إذا لاحظ شيئاً والتفت إلى منفعة أو ضرر ، أي إذا تصوّر أحدهما وصدّقه يحصل في نفسه شوق إلى تحصيل المنفعة أو دفع الضرر ، ومع ذلك يرى نفسه قادراً على الجلب وعدمه ، أو على الدفع وعدمه ، وأنّ له أن يتحرّك ويجلب المنفعة أو يدفع الضرر ، وله أن يجلس ويتحمّل الضرر أو يحرم نفسه عن المنفعة ويشتري المذمّة والملامة ، فإذا اختار الفعل وانتخبه وأراده ورجّحه على الترك تتحرّك عضلاته نحو العمل فيفعله ويحقّقه في الخارج . وبهذا يظهر أنّ التصوّر والتصديق والشوق كثيراً ما تكون جبريّة غير اختياريّة ، فإنّ التصوّر كثيراً ما يحصل للإنسان جبراً بمعونة حواسّه وادراكاته ، ويترتّب عليه التصديق فيكون التصديق أيضاً جبريّاً غالباً ويترتّب على التصديق الشوق أو الكراهة بمقتضى غريزة جبريّة وهي غريزة جلب المنفعة ودفع الضرر . ثمّ تصل النوبة بعد هذه إلى أعمال النفس واختيارها وارادتها بمقتضى سلطانه الذاتي وقوّة الاختيار وقدرة الانتخاب التي جعلها اللَّه تعالى لذاتها ، فلها أن تختار وتنتخب ، ولها أن لا تختار ولا تنتخب . ثمّ إذا اختارت وانتخبت تصل النوبة إلى حركة العضلات نحو العمل ، والإرادة عين هذا الاختيار الفعلي والانتخاب الخارجي ، هذا أوّلًا . وثانياً : ظهر أنّ الإرادة ليست في طول الشوق المؤكّد بلا تخلّل شيء ، بل صفة الاختيار متخلّلة بينهما ، والشاهد على ذلك أنّ الإنسان كثيراً ما يتصوّر شيئاً ذا منفعة وفائدة ويصدّق فائدته ويشتاق إليه ، ولكن مع ذلك لا يتصدّى له في الخارج ولا تترشّح من النفس إرادة العمل لما يكون لها من صفة الاختيار وقوّته ، وحينئذٍ نشاهد تخلّل صفة الاختيار بين الشوق والإرادة . وبهذا تنحلّ مشكلة عدم اختياريّة الإرادة ، فإنّه إذا كانت الإرادة عبارة عن الاختيار الخارجي الفعلي والتصدّي في الخارج بمقتضى صفة الاختيار الذاتيّة للإنسان كانت إراديّة ، وإراديتها إنّما تكون بذاتها لا بقوّة اختياريّة أخرى حتّى يتسلسل . وإن شئت قلت : إنّ إراديّة كلّ فعل إنّما هي بالإرادة ، وإراديّة الإرادة إنّما هي بصفة